-
بغداد وأربيل على طاولة إعادة التوازن "زيارة بين هندسة التسويات وصراع النفوذ"
لم تكن زيارة السيد نيجيرفان بارزاني إلى بغداد مجرد جولة بروتوكولية ضمن سياق العلاقات التقليدية بين المركز والإقليم، بل جاءت في لحظة سياسية حساسة يتقاطع فيها مساران؛ مسار تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، ومسار إعادة تعريف الشراكة السياسية داخل الدولة العراقية.
هذه الزيارة، التي وُصفت رسمياً بـالمثمرة والناجحة، حملت في جوهرها محاولة واضحة لإعادة التموضع الكردي داخل معادلة الحكم في بغداد، لا كطرف تفاوضي فحسب، بل كوسيط سياسي قادر على تدوير الزوايا بين القوى المتنازعة.
وفي هذا السياق، تبرز الدبلوماسية الهادئة التي يقودها السيد نيجيرفان بارزاني كأداة رئيسية في إدارة الحوار، حيث اعتمد خطابًا يميل إلى التهدئة والتقريب، بدل التصعيد أو فرض الشروط، وهو ما انعكس في طبيعة اللقاءات التي جمعته بقادة الإطار التنسيقي وممثلي القوى السنية وباقي المكونات.
ما يميز هذا التحرك هو تركيزه على فكرة الحوار الوطني البنّاء كمدخل لحلحلة الأزمات، وهي مقاربة تعكس تحولًا في الخطاب السياسي من منطق المطالبة إلى منطق الشراكة. فالقضايا الخلافية بين بغداد وأربيل، سواء تعلقت بالملف المالي أو النفطي أو الإداري، لم تُطرح بوصفها نقاط صدام، بل كملفات قابلة للحل ضمن إطار دستوري وتوافقي، وهو ما يمنح هذه الزيارة بعدًا عمليًا يتجاوز الطابع السياسي العام.
فالمعطيات التي رافقت الزيارة تشير إلى أن الوفد الكردستاني لم يذهب إلى بغداد بملف واحد، بل بحزمة متكاملة من القضايا، تتراوح بين تشكيل الحكومة، والملفات العالقة مثل النفط والغاز والموازنة ورواتب الموظفين، وصولاً إلى قضايا الأمن والدستور والشراكة السياسية. وهذا التنوع في جدول الأعمال يعكس إدراكاً كردياً بأن لحظة تشكيل الحكومة تمثل نافذة نادرة لإعادة تثبيت الحقوق الدستورية أو إعادة التفاوض حولها.
لكن الأهم من ذلك أن الزيارة جرت في ظل تعقيد المشهد الشيعي نفسه، حيث يسعى علي الزيدي إلى تشكيل حكومة في بيئة تتسم بتنافس داخل الإطار التنسيقي وتباينات في الرؤى حول شكل الدولة ودورها. هنا، حاولت أربيل أن تقدم نفسها كعامل استقرار، إذ أكد بارزاني دعم الإقليم الكامل لتشكيل الحكومة والعمل المشترك لنقل العراق إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
في هذا السياق، يمكن قراءة الزيارة بوصفها محاولة لإعادة إنتاج الدور الكردي التقليدي كـ”بيضة القبان” في السياسة العراقية، لكن مع تحديث أدوات هذا الدور. فبدلاً من الاصطفاف الحاد، برز خطاب التهدئة والتقريب بين الأطراف، وهو ما انعكس في إشادات قوى سنية بدور بارزاني في تقريب وجهات النظر وفتح صفحة جديدة من التعاون السياسي. هذا البعد الوسيط يمنح الإقليم هامشاً أوسع للمناورة، ويعزز موقعه التفاوضي في القضايا الخلافية.
ومن زاوية أخرى، حملت الزيارة رسائل أمنية وسيادية واضحة، خاصة فيما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة والنأي بالعراق عن صراعات المنطقة. هذه الرسائل لا يمكن فصلها عن التوازنات الإقليمية، حيث تحاول أربيل أن تطرح رؤية أقرب إلى الدولة الوطنية المستقرة، في مقابل واقع تعدد مراكز القوة داخل العراق. وهي بذلك تخاطب ليس فقط بغداد، بل أيضاً المجتمع الدولي الذي يراقب مسار الاستقرار في البلاد.
اقتصادياً، تبدو الزيارة محاولة لكسر حالة الجمود في الملفات المالية المزمنة بين بغداد وأربيل، خصوصاً ما يتعلق بالرواتب والموازنة. فالإشارة إلى المعالجة السريعة للوضع الاقتصادي تعكس ضغطاً متزايداً على الطرفين لإيجاد تسوية عملية، خاصة في ظل تداعيات إقليمية أثرت على الاقتصاد العراقي. وهنا، يصبح التفاهم السياسي شرطاً ضرورياً لأي حل اقتصادي مستدام.
مع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذه الزيارة بوصفها اختراقاً نهائياً بقدر ما هي خطوة في مسار طويل من التفاوض المعقد. فالعلاقات بين بغداد وأربيل ظلت تاريخياً محكومة بدورات من التقارب والتوتر، وغالباً ما تصطدم التفاهمات السياسية بعوائق تنفيذية أو خلافات تفسيرية للدستور. لذلك، فإن نجاح هذه الزيارة سيقاس ليس بما أُعلن فيها، بل بما سيتحقق بعدها على أرض الواقع.
في المحصلة، تكشف زيارة السيد نيجيرفان بارزاني إلى بغداد عن تحرك كردي محسوب لإعادة صياغة موقع الإقليم في معادلة السلطة العراقية، مستفيداً من لحظة سياسية انتقالية. وهي في الوقت ذاته تعكس حاجة بغداد إلى شريك قادر على المساهمة في تخفيف حدة الاستقطاب الداخلي. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول هذه الزيارة إلى نقطة تحول في العلاقة بين المركز والإقليم، أم أنها ستنضم إلى سلسلة محاولات سابقة اصطدمت بواقع السياسة العراقية المركب؟
ليفانت: نوري بیخالي
العلامات
قد تحب أيضا
كاريكاتير
تقارير وتحقيقات
الصحة|المجتمع
منشورات شائعة
النشرة الإخبارية
اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!

